تاريخ الطباعة :

2026 Mar 06

www.mohtadeen.com    

رابط الطباعة :

 

عـنوان    :       

وحدة الوجود عقيدة كل الصوفية

إن كنت لم تقطع بـ(لا) عنق السِّوى                في قصر (إلا الله) لستَ بواصل

عن أحمد الفاروقي السرهندي.

قبل البدء بقراءة هذا الفصل يجب استيعاب الفصلين السابقين، وهضمهما وتمثلهما، ليصبح القارىء ممتلكاً ناصية العبارة الصوفية، يفهمها كما يفهمها أصحابها وواضعوها، لا كما يحلو له أن يتوهم، أو كما يوهمونه.

إن الصوفيين كلهم، من أولهم إلى آخرهم، (إلا المبتدئين)، يؤمنون بوحدة الوجود، وما مضى، ومئات النصوص التالية هي أدلة وبراهين.

يقول أبو بكر الكلاباذي في التعرف:

قال الجنيد: المعرفة وُجودُ جهلك عند قيام علمه. قيل له: زدنا. قال: هو العارف وهو المعروف.

يفسر أبو بكر الكلاباذي هذا الكلام فيقول: (معناه: أنك جاهل به من حيث أنت، وإنما عرفته من حيث هو)([1]).

- قوله: (العارف هو المعروف)، واضح تماماً، فالعاوف (وهو مخلوق) هو نفس المعروف (الذي هو الله).

- وقول الكلاباذي: (أنك جاهل به من حيث أنت..)، فضمير المخاطب (أنت) يرمز به إلى (الفرق)، فهو يريد أن يقول: (إنك جاهل به) (أي: بالحق) من حيث تعتقد أنك (أنت) ولست (هو)، وإنما عرفته من حيث أنك (هو).

وبيت لابن الفارض قد يساعد على توضيح المعنى، يقول:

فقد رُفِعت تاء المخاطب بيننا               وفي رفعها عن فرقة الفرق رِفعتي

- هذا هو نفس المعنى الذي أراده الجنيد بقوله: (المعرفة وجود جهلك..).

وقال أيضاً (أي: الجنيد):

حقيقة التوكل: أن يكون لله تعالى كما لم يكن، فيكون الله له كما لم يزل([2]).

- قوله: أن يكون (أي: المتوكل الذي هو خلق)، كما لم يكن (أي: كأنه غير موجود كما كان سابقاً)، وهذا ما يسمونه (الفناء عن الخلق)، فيكون الله له كما لم يزل (أي: هو الموجود الوحيد ولا موجود غيره).

ويقول سهل بن عبد الله التّستري:

يا مسكين! كان ولم تكن، ويكون ولا تكون. فلما كنت اليوم صرت تقول: أنا وأنا!

كن الآن كما لم تكن، فإنه اليوم كما كان([3])...

- قول سهل هذا، هو نفس قول الجنيد، لكنه أكثر وضوحاً منه، وهو في الواقع لا يريد من جملته كلها إِلا قوله: (كان ولم تكن، وإنه اليوم كما كان)، وليس في باقي كلامه معنى يزيد على هذا.

- في هذه الأقوال وضوح قد يغيب عن بعض القراء، لكن بالرجوع إلى ما سبق من نصوص، وبملاحقة ما يأتي، يتبين المعنى تماماً؟ إنه «لا موجود إلا الله»، و«الكون هو الله».

ويقول أبو نصر الطوسي([4]) في (اللمع):

وبلغني عن أبي حمزة (الصوفي)([5]) أنه دخل دار حارث المحاسبي، وكان لحارث دار حسنة وثياب نظاف، وفي داره شاة مُرغية، فصاحت الشاة مرغية، فشهق أبو حمزة شهقة، وقال: (لبيك يا سيدي)، قال: فغضب الحارث وعمد إلى سكين، فقال: إن لم تتب من هذا الذي أنت فيه أذبحك. قال: فقال له أبو حمزة: أنت إذا لم تحسن هذا الذي أنت فيه فلِمَ لا تأكل النخالة بالرماد..

يعلق الطوسي على هذا الكلام فيقول: يريد (أبو حمزة) بذلك أن إنكارك عليّ يشبه أحوال المريدين والمبتدئين([6]).

- أي إن الشاة هي الله (أو جزء منه) وإن صوتها صوته (!) تعالى الله علواً كبيراً.

وتكلم أبو حمزة في جامع طرسوس فقبلوه، فبينا هو ذات يوم يتكلم، إذ صاح غراب على سطح الجامع، فزعق أبو حمزة، وقال: لبيك لبيك، فنسبوه إلى الزندقة، وقالوا: حُلولي زنديق، وبيع فرسه بالمناداة على باب الجامع: (هذا فرس الزنديق)([7]).

وأبو الحسين النوري([8]): سمع أذان المؤذن فقال: طعنة وشم الموت، وسمع نباح الكلاب، فقال: لبيك وسعديك([9]).

- وهذا يعني أن الله هو كل ما نرى (وما لا نرى) بما في ذلك (؟!) تعالى الله.

وقد مر معنا قول الشبلي، وهو يجيب الجنيد: (أنا أرى وأنا أسمع، فهل في الدارين غيري).

وهذا قول بعيد الإشارة بعض الشيء، على أن الشبلي يكون أكثر وضوحاً عندما يقول لبعض زواره عند خروجهم من عنده: أنا معكم حيثما كنتم، أنتم في رعايتي وكلاءتي([10]).

يقول الطوسي شارحاً: (أراد بقوله ذلك: إن الله تعالى معكم حيث ما كنتم وهو يرعاكم..).

ويقول الشبلي أيضاً:

كنت أنا والحسين بن منصور شيئاً واحداً، إلا أنه أظهر وكتمت([11]).

- وسنرى بعد قليل ما هي عقيدة الحلاج هذه التي كتمها الشبلي وأظهرها الحلاج فقُتل.

وعندما صُلب الحلاج ليُقتل، أرسل الشبلي امرأة متصوفة وأمرها أن تقول للحلاج: إن الله ائتمنك على سرٍّ من أسراره فأذعته؛ فأذاقك طعم الحديد([12]).

- ونحن نعرف الآن ما هو هذا السر، ومع ذلك فسنراه من أقوال الحلاج الصريحة.

ويقول إبراهيم بن محمد النصراباذي([13]):

إن كان بعد النبيين والصديقين موحدٌ فهو الحلاج([14]).

- نفهم مما سبق أن الشبلي والنصراباذي يوافقان الحلاج في عقيدته كل الموافقة، فعقيدته التي سنراها هي عقيدتهما. ويقول أبو سعيد الخزاز([15]): معنى الجمع: أنه أوجدهم نفسه في أنفسهم، بل أعدمهم وجود وجودهم لأنفسهم عند وجودهم له([16]).

يفسر الكلاباذي هذا الكلام بقوله: معناه قوله: (كنت له سمعاً وبصراً ويداً، فبي يسمع وبي يبصر..) الخبر.

- كلام الخراز أوضح من تفسير الكلاباذي، وفي الحقيقة، إن الكلاباذي لا يريد تفسير كلام الخراز، بل يريد دعمه بالحديث الشريف، الذي أورده مشوهاً، مع العلم أن هذا المعنى الذي يعتمده الصوفية لهذا الحديث هو معنى فاسد، وسيأتي تفصيله، وقوله: (أوجدهم نفسه في أنفسهم) واضح جدًّا.

* وقال فارس([17]):

سألت أبا عبد الله المعروف بشكثل([18]): (ما الذي منعك عن الكلام؟)، فقال: يا هذا، الكون توهمٌ في الحقيقة، ولا تصح العبارة عما لا حقيقة له، والحق تقصُرُ عنه الأقوالُ دونه! فما وجه الكلام؟ وتركني ومر([19]).

- إنه يصرح بكل وضوح أن الكون توهم لا حقيقة له باعتباره كوناً (أو خلقاً) وليس إلا الحق الذي تقصر عنه الأقوال دونه.

* ملحوظة:

كان يكفيه أن يقول: تقصر عنه الأقوال. أو: تقصر الأقوال دونه، ولكنه استعمل الكلمتين (عنه) و(دونه) للتعمية بالتعقيد.

ويقول أبو يزيد البسطامي:

غبتُ في الجبروت، وخضت بحار الملكوت، وحُجُبَ اللاهوت، حتى وصلتُ إلى العرش، فإذا هو خالٍ، فألقيت نفسي عليه، وقلت: سيدي أين أطلبك؟ فكشف، فرأيت أني أنا، فأنا أنا، أوّلي فيما أطلب، وأنا لا غيري فيما أسير([20]).

وقال عندما تجلى له هذا النور (أي: نور وحدة الوجود):

(سبحاني ما أعظم شأني)([21])!!

ويقول الحلاج:

وأي الأرض تخلو منك            حتى تعالوْا يطلبونك في السماء

تراهم ينظرون إِليك جهراً                  وهم لا يبصرون من العماء([22])

- يريد بقوله: (ينظرون إليك جهراً)، أي: أن كل ما يرونه هو أنت.

ويقول:

يا عينَ عينِ وجودي يا مدى هممي                يا منطقي وعباراتي وإيمائي

يا كلَّ كلي ويا سمعي ويا بصري                   يا جملتي وتباعيضي وأجزائي([23])

ويقول:

سبحان من أظهر ناسوته                  سرّ سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا في خلقه ظاهراً             في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقُه               كلحظة الحاجب بالحاجب([24])

ويقول:

رأيتُ ربي بعين قلب               فقلتُ من أنت قال أنت

فليس للأين منك أينٌ               وليس أينٌ بحيث أنت

في محواسمي ورسم جسمي              سألتُ عني فقلتُ: أنت

أشار سري إليك حتى              فنيت عني ودمتَ أنت([25])

ويقول:

عقد الخلائقُ في الِإله عقائداً               وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه([26])

ويقول:

يا سر سر يدق حتى                        يحل عن وصف كل حي

وظاهراً باطناً تبدّى                          من كل شيء لكل شيء

إن اعتذاري إليك جهلٌ            وعظم شك وفرط عيْ

يا جملة الكل لست غيري                            فما اعتذاري إذاً إليْ([27])

ويقول: فالحقيقة، والحقيقهّ خليقة، دع الخليقة لتكون أنت هو، أو هو أنت من حيث الحقيقة([28]).

ويقول: وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغيّر عليه العين، وهجر الألحاظ في السير، وعبد المعبود على التجريد([29]).

- وكتب كتاباً هذه نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم، المتجلي عن كل شيء لمن يشاء. السلام عليك يا ولدي، ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي، وحقيقة الكفر معرفة جليلة.

أما بعد، حمداً لله الذي يتجلى على رأس إبرة لمن يشاء، ويستتر في السماوات والأرضين عمن يشاء، حتى يشهد هذا بأن لا هو، ويشهد ذلك بأن لا غيره، فلا الشاهد على نفيه مردود، ولا الشاهد بإثباته محمود، والمقصود من هذا الكتاب أني أوصيك أن لا تغتر بالله ولا تيئس منه. وإياك والتوحيد، والسلام([30]).

ويقول:..إن بعض الناس يشهدون عليّ بالكفر، وبعضهم يشهدون لي بالولاية، والذين يشهدون علي بالكفر أحب إلي وإلى الله من الذين يقرون لي بالولاية.. لأن الذين يشهدون لي بالولاية من حسن ظنهم بي، والذين يشهدون علي بالكفر تعصباً لدينهم، ومن تعصب لدينه أحبُّ إلي ممن أحسن الظن بأحد([31])...

وقال: ...يا إِله الآلهة، ويا رب الأرباب، ويا من لا تأخذه سنة ولا نوم، رُدّ إلي نفسي لئلا يفتتن بي عبادك، يا من هو أنا وأنا هو، لا فرق بين أنّيتي وهويتك إلا الحدث والقدم([32])...

- هذه عقيدة الحلاج، عقيدة وحدة الوجود (الكون هو الله)، أو هو جزء من الله (!) سبحانك اللهم عما يصفون.

وسنرى أن هذا القسم المتعين (أي: المتشكل في أعيان) من اللاهوت، يسمى بلسان العارفين (الملكوت)، ويسميه المحجوبون أمثالنا (الملك)، أما القسم اللطيف من اللاهوت، الذي لم يتعين، فهو (الجبروت). وناقل الكفر ليس بكافر.

بمعرفتنا عقيدة الحلاج نعرف عقائد كثيرين من كبار الطائفة الذين يصرحون بولايته وصدِّيقيته. ومرت معنا أمثلة منها.

وقد درج كثير من كتابهم على ألا يذكروا اسمه صراحة، لئلا يفضحوا عقيدتهم، وإنما يقولون: (أحد الكبراء) أو (أحد كبار العارفين) أو ما شابه ذلك، وكمثل نورده: الكلاباذي في (التعرف) الذي يستعمل عبارة (بعض الكبار) بدلاً من اسمه الصريح، وقبل الانتقال إلى غير الحلاج، نورد له أمثله، تجري عباراتها على ألسنتهم وفي كتبهم.

يقول:

كن لي كما كنت لي                في حين لم أكنِ([33])

إنه يسأل الله مقام (الفناء) أو (الجمع).

ويقول:

وأقبل الوجد يُفني الكلَّ من صفتي                  وأقبل الحق يُخفيني وأُبديه([34])

من هذا البيت نفهم معنى (الوجد) ومعنى (فناء الصفات).

ويقول: صفات البشرية لسان الحجة على ثبوت صفات الصمد، وصفات الصمدية لسان الِإشارة إلى فناء صفات البشرية، وهما طريقان إلى معرفة الأصل الذي هو قوام التوحيد([35]).

ويقول: نزول الجمع ورطة وغبطة، وحلول الفرق فكاك وهلاك([36]).

- مصطلحاً (الجمع والفرق) معروفان الآن، وأترك للقارىء أن يفسر لِمَ كان الجمع ورطة والفرق فكاكها؟ ولمَ كان الجمع غبطة والفرق هلاكاً؟

وللتوضيح: الجمع كفر بالنسبة للشريعة، والفرق كفر بالنسبة لعقيدة الصوفية.

* فقرة معترضة:

مع أني أتدرج بإيراد النصوص حسب التسلسل التاريخي، بدون دقة، مع ذلك أرى من المفيد إيراد نص كان مكانه بعد صفحات، أورده لأن فيه توضيحاً لبعض المصطلحات الصوفية الأساسية.

يقول شيخ مشايخ الِإسلام، مظهر الفيض القدوسي، الأستاذ السيد مصطفى العروسي:

...والعلم بكيفيته (أي: الفناء، أو الجمع، أوما يرادفه من ألفاظ) مختص بالله تعالى لا يمكن أن يطلع عليه إلا من يشاء من عباده الكمّل الذين حصل لهم هذا المشهد الشريف والتجلي الذاتي المفني للأعيان بالأصالة، كما قال تعالى: ((فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا...)) [الأعراف:143]، فإذا علمتَ ما قدمتُه لك علمتَ معنى الاتحاد الذي اشتهر، وعلمت اتحاد كل اسم من الأسماء مع مظهره وصورته، أو اسم مع اسم آخر، أو مظهر مع مظهر آخر؛ وشهودُك اتحادَ قطرات الأمطار بعد تعددها، واتحادَ الأنوار مع تكثرها، كالنور الحاصل من الشمس والكواكب على وجه الأرض، أو من السرج المتعددة في بيت واحد، وتبدُّل صور عالم الكون والفساد على هيولى واحدة، دليل واضح على حقيقة ما قلنا، هذا مع أن الجسم كثيف، فما ظنك بالخبير اللطيف الظاهر في كل المراتب، الخسيس منها والشريف.

والحاصلُ أن الاتحاد والحلول بين الشيئين المتغايرين من كل الوجوه شرك عند أهل الله؛ وذلك لفناء الأغيار عندهم بسطوع نور الواحد القهار، بل المراد أن الحق تعالى باعتبار أنه مصدر الكائنات جميعها، علويها وسفليها، مركبات أو بسائط أو مجردات، جواهر وأعراضاً، كليات أم جزئيات، واعتبار انفراده بالوجود الذاتي، وأن جميع الموجودات مستمدة من وجوده، فهو هي وهي هو، على معنى: لا هو إلا هو، كان الله ولا شيء معه ويبقى الله ولا شيء معه، وإنما الكائنات تعينات له مخصوصة في أزمنة مخصوصة، محكوم عليها بأحكام مخصوصة، ثم إليه يرجع الأمر كما بدا، لِحِكَم عليَّة، وأسرارٍ إِلهية، عَلِمها مَن علمها وجهلها من جهلها، بتدبيره تعالى وتقديره، لا يُسأل عما يفعل، فافهم ولا تك أسير النقل والتقليد([37])...

- ورد في هذا النص عدة عبارات، نراها مبثوثة في كتبهم، وهم يستعملونها دائماً مع غيرها طبعاً وقد شرحت هذه العبارات بوضوح، لذلك كان من المفيد جدّاً إعادة قراءة هذا النص مراراً حتى تنطبع عباراته في الذهن، مما يجعل النصوص الصوفية واضحة المدلول.

وأهمها العبارات التالية:

- التجلي الذاتي المفني للأعيان - الظاهر في كل المراتب - فناء الأغيار - سطوع نور الواحد القهار - انفراده بالوجود الذاتي - فهو هي وهي هو - لا هو إلا هو - كان الله ولا شيء معه ويبقى الله ولا شيء معه - الكائنات تعينات - إليه يرجع الأمر كما بدأ.

وهي كلها تعني (وحدة الوجود) أو تشير إليها وإلى سطوعها.

لكن يجب أن ننتبه بشكل خاص إلى قوله: (.. ولا تك أسير النقل والتقليد)! ما معناها؟

- وقال أبو الحسين النوري:

كان الله ولا أين، والمخلوقات في عدم، فكان حيث هو، وهو الآن حيث كان، إذ لا أين ولا مكان([38])...

وقال أيضاً:

عزّ ظاهر، وملك قاهر، ومخلوقات ظاهرة به وصادرة عنه، لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه([39]).

إنه في قوله: (لا هي متَّصلة به) ينفي الاتصال؛ لأن كلمة (الاتصال وما اشتق منها) تعني وجود اثنين متصلين ببعضهما، لذلك فهو ينفي الاتصال نفياً لتوهم الاثنينية، ثم ينفي الانفصال لِإثبات الوحدة.

- وقال أبو سليمان الداراني:

...إنك لا تكون مخلصاً في عملك حتى لا ترى في الدارين أحداً غير ربك([40]).

- ويقول أبو طالب المكي([41]) (مفسراً):

...يعني أنه رجع إلى العبد في أوله، أي: يكون كما كان قبل أن يكون لقوله: ((أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى)) [الأعراف:172]، إذ كان ذلك قبل أن يكون، وهل أجابت إلا الأرواح الطاهرة المقدسة؟ بإقامة القدرة النافذة والمشيئة السابقة؟ فيكون العبد كما كان، وأيًّا كان، ولماذا كان، وكيف كان. وهذا غايته تحقيق توحيد الموحِّد للواحد، وهو أن يذهب كما لو لم يكن، ويتلاشى وتنمحي أوصافه وتبقى أوصاف الحق كما لم يزل، على معنى قوله: صرت سمعه وبصره ويده ورجله وقلبه يسمع به ويبصربه ويأخذ به ويعقل به([42]).

وقال أيضاً:

ظاهر التوحيد هو توحيد الله فى كل شيء، وتوحيده بكل شيء، ومشاهدة إيجاده قبل كل شيء، ولا نهاية لعلم التوحيد([43])...

- بشيء من التمعن ينكشف المعنى واضحاً في النصين.

ويقول أبو حيان التوحيدي في رسالة (كط):

...بل أنت الموجود في كل شيء، لا كما يوجد ما دام بك وافتقر إليك، ولكن كما توجد أنت وليس واجدُك سواك؛ واجدٌ لك وواجدٌ بك وواجد منك؛ فأما واجد بك فلأنه وجد عينه بك، وأما واجد لك فلأنه وجد وجده من أجلك، وأما واجد منك فلأنه وَجَدَ ما به وَجَدَ ما وجَدَ مِن جهتك، فأنت المحيط وأنت المشتمِل، إلا أن إحاطتك بالقدرة، واشتمالك بالمعونة، وكل ما لخلقك بالمجاز؛ فَلَكَ الحقيقة، وكل ما سواك بالأثر؛ فَلَكَ بالعين، والإشارة التي هي إليك هي منك، والذاكر الذي هُو لك هُو بك، والوجد الذي هو منك هو بك، والوجد الذي هو بك هو منك، ولم تختلف هذه الحروف إلا لحاجة الخلق إليها في التكور، وإلا فالمعنى واحد مؤتلف متفق، لا يرنّق عليه لبس، ولا يمربه جن ولا إنس([44])...

ويقول أيضاً، رسالة (يه):

أشرقت الأكوان بالأشباح، وشرفت الأعيان بالأرواح، وتجلت أسرار الحق فيها بين الافتراح والارتياح، وتناجت النفوس على بُعد الديار بما تتخافت فيه الأفواه على قرب المزار، ورُدَّت على الناظرين خوائن الأبصار، والتقت في الغيب سوانح الِإقرار والِإذكار...فعندها لَحَظَ اللاحظون بعين الصدق، ولفظ اللافظون بلسان الحق شنآن الحال، واضمحلال المقال، والتواء المنال، فناجوا في السرائر، وباحوا بالضمائر، ورفعوا رقوم البواطن والظواهر، وافترقوا عن الألفة، وتكثروا بالوحدة، وخيموا بين سواحل التجني وبلاغ التمني([45])... ومنها:

...فالأسماء مطروحة بالتوقيف، والمعاني مأخوذة بالتعريف، الأسماء مختلفة بكَدَر الخلق، والمعاني مؤتلفة بصفو الحق الأسماء مجموعة بلسان التفرقة، والمعاني مسموعة بلسان الجمع. الأسماء متنافية باللغات، والمعاني متصافية بحكم الصفات. أما تعلم أن الأنس بالمعاني على إيثار الحق، مقدم على الاستيحاش في الأسماء لتنافيها على إيثار الخلق. الأسماء محدودهً بالأفهام، والمعاني معدودة بالإلهام. فإياك أن تلحظ المعاني بعين الاسم فتعطب، وإياك أن تعطي الاسم ذات المعنى فتتعب، وإياك أن تعطي المعنى رسم الاسم فتكذب، وإياك أن تفرق بينهما فتتهم، وإياك أن تجمع بينهما فتُوهّم، ها هنا زلقت أقدام المتكلمين، وانتكست أعلام المتحذلقين؛ لأنهم (سعوا في آياته معاجزين)، ونظروا في الآية مستهزئين، وركنوا إلى عقولهم مفتخرين متعززين، فنكصوا على أعقابهم خائبين خاسرين([46]).

ويقول: رسالة (لد):

...وتحصّن من نفسك في نفسك، وتبرأ من جنسك في بني جنسك، واشهد الغيب وغب عن الشهادة، واحفظها عند بروز الحق الذي إذا بدا لك أباد، وإذا أحب أعاد وأفاد؛ وإياك وملابسة الكون فإنها تؤديك إلى الفرقة والبين، وعليك بالتجريد والتفريد، وعليك بهجران كل شيطان مريد([47]).

ويقول: رسالة (لح هـ):

تباركت خطراتي في تعالائي                فلا إله إذا فكرت إلائي([48])

- نلاحظ أن أسلوب الوحيدي فيه جزالة ألفاظ وغموض يشعر أن هناك سرّاً تحاك حوله هذه الألفاظ، والهلع من ظهور السر متماثل بين السطور، وهو يستعمل عبارات قليلاً ما يستعملها غيره، ولكنها مستعملة على كل حال. وبشيء من التأني في القراءة والتكرار تتوضح الأسرار، وكلمة (تعالائي) من فعل الثناء (تعالى).

ويقول القشيري:

...فإذا فني عن توهم الآثارمن الأغيار، بقي بصفات الحق، ومن استولى عليه سلطان الحقيقة حتى لم يشهد من الأغيار ولا أثراً ولا رسماً ولا طللاً، يقال: إنه فني عن الخلق وبقي بالحق([49]).

ويقول:..ومن محاه الحق سبحانه عن مشاهدته (أي: مشاهدته لنفسه وأفعاله)([50])، أثبته بحق حقه، ومن محاه الحق عن إثباته به، ردّه إلى شهود الأغيار وأثبته في أودية التفرقة([51])..

* فقرة معترضة:

مر معنا ويمر هنا وفي كتبهم مصطلح (المشاهدة) والفعل منه (شاهد، يشاهد)، فماذا يعنون به؟

يقول القشيري: (...وتوهم قوم أن المشاهدة تشير إلى طرف من التفرقة؛ لأن باب المفاعلة في العربية بين اثنين، وهذا وهم من صاحبه، فإن في ظهور الحق سبحانه ثبور الخلق، وباب المفاعلة جملتُها لا تقضي مشاركة الاثنين، نحو: سافر، وطارق النعل، وأمثاله([52])...

- يفهمنا القشيري أن المشاهدة لا تكون بأن تشاهد الله سبحانه خارجاً عنك، فتكونا اثنين، لا، بل تشاهده في ذاتك، تشاهده أنك هو، إذن، منذ الآن، يجب أن نفهم مصطلح (المشاهدة ومشتقاتها) في كلام القوم حسب هذا المعنى. (مشاهدة الله تعني الاستشعار بالألوهية أو ذوق معنى الألوهية).

ويقول أبو حامد الغزالي (حجة الإسلام، الِإمام):

...فمن عرف الحق رآه في كل شيء، إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله، فهو الكل على التحقيق، ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه عرفه، ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، لا أنه سيبطل في ثاني الحال، بل هو الآن باطل([53])...

- يبين لنا الغزالي هنا كيف يفهمون الجملة (كل شيء ما خلا الله باطل)، والآية ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) [القصص:88]، ومنذ الآن يجب أن نعرف كيف يفهمونها، ولا نحاول التأويل واللف والدوران مثلهم.

ويقول: ...واعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية، وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر، وهي عالم الملكوت([54])...

- يبين الغزالي هنا أن حضرة الربوبية هي عالم الملكوت! فما هو عالم الملكوت؟

يشرحه ابن عجيبة بقوله: (مراتب الوجود هي العوالم الثلاثة: الملك والملكوت والجبروت، وذلك أن الوجود له ثلاثة اعتبارات: وجود أصلي أزلي، وهو الذي لم يدخل عالم التكوين، ويسمى عالم الأمر، وعالم الغيب، وهو المسمى بعالم الجبروت. ووجود فرعي، وهو النور المتدفق من بحر الجبروت، وهو كل ما دخل عالم التكوين لطيفاً كان أو كثيفاً، ويسمى عالم الشهادة، وعالم الخلق، وهو المسمى بعالم الملكوت([55])..

- إذن فحضرة الربويية يعني بها (الكون)، وسنرى هذا في نص آت، وقول ابن عجيبة: (وهو النور المتدفق من بحر الجبروت)، هو نفس نظرية (الفيض) اليونانية، والعريقة في تاريخ الوثنيات.

ويقول الغزالي أيضاً:

...نعلم أن للقلب ميلاً إلى صفات بهيمية.. وإلى صفات سبعية.. وإلى صفات شيطانية.. وإلى صفات ربوبية.. فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع؟! ومعنى الربوبية التوحد بالكمال، والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال؛ فصار الكمال من صفات الإلهية، فصار محبوباً بالطبع للإنسان. والكمال بالتفرد بالوجود، فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة؛ فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها، فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصاً في حقها إذ لم تكن منفردة بكمال معنى الشمسية.

والمنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته، بل هو قائم به...وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصاناً في الشمس بل هو من جملة كمالها، وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى.. فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة.. فإذاً معنى الربوبية التفرد بالوجود، وهو الكمال...ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية: (ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله: ((أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)) [النازعات:24]، ولكنه ليس يجد له مجالاً، وهو كما قال([56])...).

- هذا النص مشحون، لكن أهم ما فيه هو:

1- استعمال الغزالي أساليب علم الكلام لإثبات أمر غيبي تتعذر معرفته إلا عن طريق الوحي.

2- قوله: (المنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه) يعني: أن الله جلت قدرته، لم يخلق شيئاً من العدم، إذ لو خلق شيئاً من العدم لكان هذا الشيء غير الله، ولكان مع الله موجود آخر غيره، لكن الحجة يقرر أن ليس مع الله موجود سواه، وهذه هي: (وحدة الوجود).

3- إعطاؤه لكلمة «الربوبية» معنى لم يرد عن خير البشر، ولا عن خير القرون، ولا عن تابيعهم.

4- إيراده القول الذي يعزوه إلى بعض مشايخ الصوفية والذي يفيد:

أ- إن فرعون رب في الباطن، وقد صرح بهذه الربوبية. لننتبه إلى كلمة (صرّح).

ب- هذه الربوبية هي في باطن كل إنسان، أي: أن كل إنسان هو رب في الباطن، لكنه لا يجد مجالاً لاستشعار هذه الربوبية أو للتصريح بها مثل فرعون.

5- تقرير الغزالي صحة هذا القول لقوله: (وهو كما قال).

ويقول الغزالي أيضاً:

...ومن ارتفع الحجاب بينه وبين الله تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه، فيرى جنةً عرض بعضها السماوات والأرض، أما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة.. وأما عالم الملكوت، وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار، المخصوصة بإدراك البصائر، فلا نهاية له. نعم، الذي يلوح للقلب منه مقدار متناهٍ.. وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذ دفعة واحدة تسمى (الحضرة الربوبية) ؛ لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات، إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى وأفعاله؟ ومملكتُه وعبيدُه من أفعاله([57])...

- نحن الآن نعرف مما سبق ومما سيأتي من نصوص، أنه وأنهم يعنون بقوله وقولهم: (أفعال الله) أي: حركاته (سبحانه عما يصفون).

ويقول: ...والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار. والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحداً، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمِّيه الصوفية (الفناء في التوحيد)...والثالث: موحد، بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلًا واحداً إذا انكشف له الحق كما هو عليه، ولا يرى فاعلًا بالحقيقة إلا واحداً وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه، لا أنه كلَّف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة، فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين.. والرابع: موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد. وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد([58])...

ويقول: ...فإن قلت: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحداً، وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة؟ فكيف يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات.. وهو أن الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدةٍ واعتبار، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الِإنسان كثير إن التفتّ إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبارٍ آخر ومشاهدةٍ أخرى واحدٌ، إذ نقول: إنه إنسان واحد.. والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرقٌ بواحد ليس فيه تفريق، وكأنه في عين (الجمع) ؛ والملتفتُ إلى الكثرة في (تفرقة) فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، فهو باعتبار واحدٍ من الاعتبارات واحدٌ، وباعتبارات أخر سواه كثيرٌ...وهذه المشاهدة التي لا يظهر فيها إلا الواحد الحق، تارة تدوم، وتارة تطرأ كالبرق الخاطف، وهو الأكثر، والدوام نادر عزيز([59])...

* ملحوظة: أرجو الانتباه إلى كلمتى: (الجمع والتفرقة) اللتين يشرح معناهما بوضوح.

ويقول: ...فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضوة الِإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض، فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره، ولا يُتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فإن الأشياء تُستبان بأضدادها، وما عمّ وجوده حتى إنه لا ضدّ له، عسر إدراكه([60])...

ويقول بعد أن يذكر- إشارةً ورمزاً- صفة الذي لا يرى إلا الله: ...فهذا الذي يقال فيه: (إنه فني في التوحيد وفني عن نفسه)، وإليه الِإشارة بقول من قال: (كنا بنا ففنينا عنا فبقينا بلا نحن...ولذلك قيل:

لقد ظهرتَ فلا تخفى على أَحدٍ             إلا على أكمهٍ لا يعرف القمرا

لكن بطنتَ بما أظهرتَ محتجباً             فكيف يُعرف من بالعرف قد سُترا([61])

ويقول: (حقيقة الحقائق):..من هنا ترقى العارفون من حضيض المجاز إلى يفاع الحقيقة، واستكملوا معراجهم، فرأوا بالمشاهدة العيانية أن ليس في الوجود إلا الله تعالى، وأن ((كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)) [القصص:88] لا أنه يصير هالكاً في وقت من الأوقات، بل هو هالك أزلاً وأبداً، لا يُتصور إلا كذلك.. فإذن لا موجود إلا الله تعالى ووجهه، فإذن كل شيء هالك إلا وجهه أزلاً وأبداً...ولم يفهموا من معنى قوله: (الله أكبر) أنه أكبر من غيره، حاشا لله، إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه، بل ليس لغيره رتبة المعية، بل رتبة التبعية([62])...ويقول: (إشارة) العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق([63]). - نلاحظ أن أسلوب الغزالي فيه وضوح وصراحة، ونرى أنه عندما يريد التعمية، لا تساعده العبارة الإشارية، لذلك فهو يضيف جملاً موهمة، فمثلاً يقول: [إذ ليس في الوجود معه غيره...]، ثم يقول بعدها مباشرة: [بل ليس لغيره رتبة المعية...]!

فكيف ينفي وجود الغير في الجملة الأولى ثم يثبته في الثانية؟! في الواقع الغزالي غير متناقض مع نفسه وعقيدته في هذا النص أو غيره، فهذا أسلوبه في العبارة الملغزة الذي يحاول به مثل غيره من الصوفية التعمية على من هم غير أهله، وقد نجح في هذا الأسلوب.

والنصان الأخيران يوضحان معنى قولهم (أو قول بعضهم) أحياناً: (وحدة الشهود)، حيث نفهم منهما أن عبارة (وحدة الشهود) تعني بكل بساطة (مشاهدة وحدة الوجود). ويقول: ...لكن ينبغي أن يُعلم أن الحضرة الإلهية محيطة بكل ما في الوجود، إذ ليس في الوجود إلا الله وأفعاله، فالكل من الحضرة الإلهية، كما أن جميع أرباب الولايات في المعسكر -حتى الحراس- هم من المعسكر...فاعلم أن كل ما في الوجود داخل في الحضرة الإلهية([64])...(أفعال الله تعني حركاته سبحانه وتعالى).

ويقول في تائيته التي مطلعها:

بنور تجلي وجه قدسك دهشتي           وفيك على أن لاخفىً بك حيرتي

منها:

وهل أنا إلا أنت ذاتاً ووحدةً                وهل أنت إلا نفس عين هويتي([65])

ومنها:

فكيف بشكري كل عضو وقوة             جعلت لنفعي عند تأليف بنيتي

وشكر التي قد حُجبت بي وإنها            لأظهرُ لي من نور شمس تبدت([66])

ومنها:

ملأت جهاتي الست منك فأنت لي                   محيط وأيضاً أنت مركز نقطتي

فصرتُ إذا وجهت وجهي مصلياً                   فرايض أوقاتي فنفسي كعبتي

فصار صيامي لي ونسكي وطاعتي                 ونحري وتعريفي وحجي وعمرتي

وحولي طوافي واجبٌ وخلاله             استلامي لركني من مناسك حجتي

وذكري وتسبيحي وحمدي وقربتي                 لنفسي وتقديسي وصفو سريرتي

ولو همَّ مني خاطر بالتفاتة                 لما كان لي إلا إليّ تلفُّتي

ولو لم أُؤدِّ الفرض مني إليَّ لم            يصح بوجه لي ولم تَبرَ ذمتي([67])

ويقول: ...فإن الفاعل بالحقيقة واحد، فهو المخوف والمرجو وعليه التوكل والاعتماد، ولم نقدر أن نذكر من مجاز التوحيد إلا قطرة من بحر المقام الثالث من مقامات التوحيد...وكل ذلك ينطوي تحت قول: (لا إله إلا الله)، وما أخف مؤنته على اللسان، وما أسهل اعتقاد مفهوم لفظه على القلب، وما أعز حقيقته ولبّه عند العلماء الراسخين في العلم، فكيف عند غيرهم.. فإن قلت: فكيف الجمع بين التوحيد والشرع؟ ومعنى التوحيد أن لا فاعل إلا الله تعالى، ومعنى الشرع إثبات الأفعال للعباد، فإن كان العبد فاعلاً فكيف يكون الله تعالى فاعلًا؟ وإن كان الله تعالى فاعلًا فكيف يكون العبد فاعلًا؟...ولأجل توافق ذلك وتطابقه نسب الله تعالى الأفعال في القرآن مرة إلى الملائكة ومرة إلى العباد، ونسبها بعينها مرة أخرى إلى نفسه! فقال تعالى في الموت: ((قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)) [السجدة:11]، ثم قال عز وجل: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)) [الزمر:42]، وقال تعالى: ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ)) [الواقعة:63]، أضاف إلينا، ثم قال تعالى: ((أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا..)) [عبس:25-28]، وقال عز وجل: ((فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)) [مريم:17] وكان النافخُ جبريل عليه السلام، وكما قال تعالى: ((قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)) [التوبة:14] فأضاف القتل إليهم والتعذيب إلى نفسه! والتعذيبُ هو عين القتل! بل صرح وقال تعالى: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ)) [الأنفال:17]، وقال تعالى: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) [الأنفال:17] وهو جمع بين النفي والِإثبات ظاهراً، ولكن معناه: وما رميت، بالمعنى الذي يكون الرب به رامياً، إذ رميت، بالمعنى الذي يكون العبد به رامياً؛ إذ هما معنيان مختلفان. وقال الله تعالى: ((الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)) [العلق:4-5]، ثم قال: ((الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ)) [الرحمن:2] وقال: ((عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)) [الرحمن:1-4] وقال: ((إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)) [القيامة:19] وقال: ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)) [الواقعة:58-59]([68])...اهـ.

- أمثال هذا النص تتكرر كثيراً في كتب الغزالي، وخاصة في كتاب (إحياء علوم الدين).

ولقد رأينا في النصوص السابقة تصريح الغزالي بوحدة الوجود التي يسميها (التوحيد)، وهذا النص واضح، لكن بالنسبة لمن قرأ نصوص الغزالي السابقة واستوعبها معنى وألفاظاً وجملًا.

أما من يقرأ هذا النص لأول مرة، وهو خالي الفكر، فقد لا يستطيع ملحوظة فكرة (وحدة الوجود) الماثلة في كل جملة من جمله؛ لذلك كان من اللازم لمن يريد فهمه أن يرجع إلى نصوص الغزالي السابقة، خاصة، وإلى نصوص الصوفية عامة، ثم يعود إلى هذا النص ليرى (وحدة الوجود) واضحة كل الوضوح في ثنايا الكلام.

ولهذا النص فائدة كبيرة، لمعرفة كيفية فهمهم للنصوص القرآنية ولنصوص الحديث، وكيف يضعونها في سياق موهم، بحيث تظهر لأهل الأذواق وكأنها تحمل المعاني التي يريدونها! وكيف يلوون أعناقها ببراعة وانسياب تظهر وكأنها تتفق مع كشفهم وعقيدتهم؟!

إنه يقدم ما أورد من آيات في سياق الكلام عن (التوحيد) الذي يعني به توحيد الخالق والمخلوق في وحدة واحدة! يقدم هذه الآيات ليجعلها دليلاً على نظريته!

وهرباً من الِإطالة، نقدم توضيحاً لثلاث آيات، منها فقط:

1- الآية ((فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا)) [مريم:17] يريد الغزالي أن يقول: (إن الله سبحانه أرسل (روحه) ؛ وروحه كما يتبادر إلى أذهاننا، هو جزء منه، وهذا الروح هو ملك كما تخبرنا آية ثانية، إذن فالملك هو روح الله، وهو بالتالي جزء منه! أو هو هو حسب تعابيرهم).

2- الآية: ((فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ)) [القيامة:18] التي يتبعها بتفسيره حيث يقول: «معناه: إذا قرأه عليك جبريل..». فالله سبحانه يقول: ((قَرَأْنَاهُ)) بصيغة المتكلمين، بينما القارىء هو جبريل، إذن فجبريل هو الله، أو هو جزء منه!!. سبحانه وتعالى علوًا كبيراً عما يصفون.

3- الآية: ((وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)) التي يفسرها بقوله: (...وما رميت، بالمعنى الذي يكون الرب به رامياً، إذ رميت، بالمعنى الذي يكون العبد به رامياً...)، وهو كلام واضح جدّاً! إنه يقول: [معناه: وما رميت (يا محمد الرب) إذ رميت (يا محمد العبد) ولكن الله رمى]، إذن محمد هو الله، (تعالى الله علوّاً كبيراً).

ولونظرنا إلى بقية الآيات التي أوردها في هذا النص- وفي غيره في كتبه- لرأيناه يريد بها نفس المعنى الذي بيّنّاه في هذه الآيات الثلاث.

يورد الغزالي بعد كلامه الذي سجلناه حديثين، يوجههما لأداء نفس المعنى الذي يحاول تقريره.

يقول العراقي عن أولهما: (...في سنده جهالة، وقال ابن عدي: إنه منكر...). ويقول عن ثانيهما: (لم أجد له أصلاً). (ولم أوردهما تجنباً للِإطالة). ويورد أيضاً بعدها آيات أخرى، وأقوالاً لبعضهم وشعراً، نوردها دون تعليق الغزالي، ودون أي تعليق غيره؛ ليستطيع القارىء أن يفهم مرادهم من الآية حيثما مرت معه. يقول: ...وكذلك ذكر الله تعالى في القرآن من الأدلة والآيات في الأرض والسماوات، ثم قال: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) [فصلت:53] وقال: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)) [آل عمران:18]، فبين أنه الدليل على نفسه...قال بعضهم: (عرفت ربي بربي ولولا ربي لما عرفت ربي)، وهو معنى قوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ))، وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه المحيي والمميت، ثم فوّض الموت والحياة إلى ملكين، ففي الخبر (أن ملكي الموت والحياة تناظرا...)([69]) لذلك قال صلى الله عليه وسلم للذي ناوله التمرة: (خذها: لولم تأتها لأتتك)، أضاف الإتيان إليه وإلى التمرة...وأصدق بيت قاله الشاعر قول لبيد: (ألا كل شيء ما خلا الله باطل)...فإذاً لا حق بالحقيقة إلا الحي القيوم...فهو الحق وما سواه باطل، فإنه قائم بذاته وكل ما سواه قائم بقدرته..)([70]).

هذه عبارات -أو بعض العبارات- التي يستعملونها يشيرون بها إلى وحدة الوجود، أوردها الغزالي متتابعة، وقد أورد غيرها الكثير في أماكن أخرى من (الِإحياء) وغير (الإِحياء)، مع التكرار لها في مواضع كثيرة.

وهذه صورة أخرى من صور العبارة الإشارية:

يقول ابن عطاء الله في حِكَمه:

متى جعلك في الظاهر ممتثلاً لأمره، ورزقك في الباطن الاستسلام لقهره، فقد أعظم عليك المنة([71]).

وقد أوردها محمود أبو الفيض المنوفي (القطب) على أنها تحمل نفس معنى قول أبي الحسن الشاذلي، الذي رأيناه: (ليكن الفرق بلسانك موجوداً...) وهي إشارة إلى مقام (الفرق الثاني).

ويقول ابن عطاء الله أيضاً في حكمه: (كن بأوصاف ربوبيتي متعلقاً، وبأوصاف عبوديتك متخلقاً، فإن تحققت بأوصافك أيدك بأوصافه)([72])، وهي كما يقرر المنوفي تحمل نفس معنى سابقتها، أي: (الفرق الثاني).

ويقول عبد القادر الجيلاني (قطب الأولياء الكرام):

الحمد لله الذي كيّف الكيف وتنزه عن الكيفية، وأيّن الأين وتعزز عن الأينية، ووُجد في كل شيء وتقدس عن الظرفية، وحضر عند كل شيء وتعالى عن العندية([73])...

ويقول:

...ثم قال لي: يا غوث الأعظم! ما أكل الِإنسان شيئاً وما شرب وما قام ولا قعد وما نطق وما صمت وما فعل فعلًا وما توجه لشيء وما غاب عن شيء إلا وأنا فيه، ساكنه ومتحركه. ثم قال لي: يا غوث الأعظم، جسم الِإنسان ونفسه وقلبه وروحه وسمعه وبصره ويده ورجله ولسانه وكل ذلك طهرت له نفس بنفس لا هو إلا أنا ولا أنا غيره([74]).

ويقول: ...فإذا تحقق عندكم العمل، رأيتم القدرة، فحينئذ يَجْعَلُ التكوين في أيدي قلوبكم وأسراركم، إذا لم يبق بينك وبين الله حجاب من حيث قلبك، قدّرك على التكوين وأطلعك على خزائن سره، وأطعمك طعام فضله، وسقاك شراب الأنس، وأقعدك على مائدة القرب منه، وكل هذا ثمرة العلم بالكتاب والسنة أعمل بهما ولا تخرج عنهما، حتى يأتيك صاحب العلم، الله عز وجل. فيأخذك إليه، إذا شهد لك معلم الحكم بالحذق في كتابه، نقلك إلى كتاب العلم، فإذا تحققت فيه أقيم قلبك ومعناك، والنبي في صحبتهما آخذ بأيديهما، ويدخلهما إلى الملك، ويقول لهما: ها أنتما ربكما([75]). اهـ [أرجو الانتباه إلى حدود العمل بالكتاب والسنة (حتى يأتيك صاحب العلم)].

ويقول: ...إذا قال لك القلب (لا) فهو حرام، وإن قال: (نعم) فهو حلال، وإن سكت فلم يقل: (نعم) ولا (لا) فهو شبهة، إن عدمت المألوفات وصبرت نفسك فهو القناعة، تدري كم عنده من الطاعات، والصوم والصلاة لا يعبأ بها، إنما مراده منك قلب صاف من الأقدار والأغيار([76]).

ويقول: ...بقي أبو يزيد البسطامي سبع مرات، لما سُمع منه من الكلام العجيب، يفتح إلى قلويهم أبواب القرب، لا يجمعهم مع الخلق سوى الصلوات الخمس ولقب الآدمية البشرية؛ وصورتهم صورة الِإنس، وقلوبهم مع القدر، وأسرارهم مع الملك([77]).

- يخبر عبد القادر الجيلاني عن أبي يزيد البسطامي أنه كان يفتح أبواب القرب (من الله وبه وإليه وفيه) إلى قلوبهم، أي إلى قلوب المريدين. إذاً فعبد القادر الجيلاني -في هذا النص- يزكي أبا يزيد، وبالتالي فهو يوافقه على أقواله التي مرت معنا آنفاً.

ويقول: قيل للحلاج حين صلب: (أوصني)، قال: نفسك إن لم تشغلها وإلا شغلتك([78]).

- يُظهر الحلاجَ هنا بمظهر المعلم الحكيم، المقصود، حتى عند الصلب، إذاً فالحلاج مزكىً عند الجيلاني، وهذا يعني أن الجيلاتي يتلقى أقوال الحلاج بالقبول، فهو يؤمن بأقواله وعقيدته، ونستطيع أن نرجع إليها حالاً، لتكون تذكرة وتعيها أذن واعية. ويقول: ...وإذا كان القطب اطّلع على أعمال أهل الدنيا وأقسامهم وما تؤول أمورهم إليه، ويطّلع على خزائن الأسرار، ولا يخفى عليه شيء في الدنيا من خير أو شر، لأنه مفرد الملك بطانته، نائب أنبيائه ورسله، أمين المملكة، فهذا هو العين القطب في زمانه([79])...

ويقول: ...يا عبدَ الهوى والطبع، يا عبدَ الثناء والحمد، ما جفّ به القلم وسبق به العلم من الأقسام، لا بد من استيفائهما، لكن الشأن هل يأخذها بك، أو به يوجدك، ويقعدك مع التوحيد...أطلب القرب من باب فنائك...ويكون (أي: العارف أو الواصل) نائب الرسول في المتابعة، يُترك ثم يؤخذ، ثم يُؤخذ، يَتْرُك المتروك ويأخذ المأخوذ، يضيء لك الأمر كفلق الصبح، يجدد على العبد ثوبَي الوجود تارة والفناء تارة، يُفْتقد، فيُقبل الحق عليه، وتارةً يوجد- فيخبر عن الحق (روى قلبي عن ربي)([80])...

- قبل الانتقال إلى كتاب آخر من كتب الشيخ، يجدر الانتباه إلى قوله: «يجعل التكوين في أيدي قلوبكم وأسراركم»، و«قدّرك على التكوين»، وقوله في نص سابق: «فإذا جاءت نوبة الحكم كانوا في صحن الحكم»، ثم عرض هذه الأقوال على الآية القرآنية الكريمة: ((...مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا)) [الكهف:26]، وقوله: (ها أنتما ربكما).

طبعاً! الأمر واضح، إن الذي يعتقد أن مخلوقاً ما، سواء كان إنساناً أو ملكاً، يمكن له (التكوين)، وأن يتصرف في الكون، إنما هو كافر؛ لأنه يناقض نص الآية الصريح.

- لكن! همسة أهمسها في أذن القارىء: إنهم يؤولون- كما يقول الِإمام الغزالي- النصوص المخالفة للكشف لتتفق مع كشفهم!! وعليه فهم يؤولون هذه الآية، ليصبح معناها: (إن كل من يحكم فهو الله)، لأن الله لا يشرك في حكمه أحداً، وبما أن هناك من يحكم ولو في أمر واحد، إذن فهو الله؛ لأن الحاكم هو الله وحده، ولأنه لا يشرك في حكمه أحداً؛ وطبعاً! هذه هي وحدة الوجود.. نعود إلى الشيخ.

يقول الجيلاني:

...ثم إذا لم يجد عند الخالق نصرَةً، استطرح بين يديه مديماً للسؤال أو الدعاء والتضرع والثناء والافتقار مع الخوف والرجاء، ثم يعجزه الخالق عز وجل عن الدعاء، ولم يجبه حتى ينقطع عن جميع الأسباب، فحينئذ يَنْفذ فيه القدر، ويفعل فيه الفعل، فيفنى العبد عن جميع الأسباب والحركات، فيبقى روحاً فقط، فلا يرى إلا فعل الحق، فيصير موقناً موحداً ضرورة، يقطع أن لا فاعل في الحقيقة إلا الله، لا محرك ولا مسكن إلا الله، ولا خير ولا شر ولا ضر ولا نفع ولا عطاء ولا منع ولا فتح ولا غلق ولا موت ولا حياة ولا عز ولا ذل إلا بيد الله...ويكون ولا حراك به في نفسه ولا في غيره، فهو غائب عن نفسه في فعل مولاه، فلا يرى غير مولاه وفعله، ولا يسمع ولا يعقل من غيره، إن بَصر وسمع([81])...اهـ.

- كل العبارات الدالة على وحدة الوجود في هذا النص، مرت معنا فيما سبق، مثل: (يفنى العبد عن جميع الأسباب..)، و(يصير موحداً)، و(لا فاعل إلا الله)، و(غائب عن نفسه في فعل مولاه).

لكن أمامنا الآن عبارة جديدة هي: (فيبقى روحاً فقط)، وكذلك المفردات المتلاحقة: (لا خير ولا شر ولا ضر...)، والتي يفهم الصوفي والمتمرس بعباراتهم إلى ماذا ترمز وتشير، وكذلك قوله: (فلا يرى غير مولاه وفعله).

ويقول: ...والحكاية المشهورة عن أبي يزيد البسطامي -رحمه الله- لما رأى رب العزة في المنام، فقال: كيف الطريق إليك؟ قال: اترك نفسك وتعال، فقال: فانسلخت من نفسي كما تنسلخ الحية من جلدها([82])...

- في هذا النص تزكية واضحة لأبي يزيد البسطامي ولمكاشفته، وهذا يعني أنه يؤمن بعقيدة أبي يزيد، وبالتالي يمكننا أن نكون موقنين أنه يتبنى أقواله التي مرت فيما سبق، كما يتبنى قوله في هذا النص، الذي هو: (فانسلخت من نفسي...)، والذي نعرف بعد قراءتنا لهذا الركام من أقوالهم وإشاراتهم، أنه يعني به الانسلاخ من فكرة تفريق الخلق عن الحق ومن الشعور بها.

ويقول: ...فحينئذ يصير مَحْقاً من أهل الحقيقة...وإن كنت في حالة (حق الحق)، وهي حالة (المحو والفناء)، وهي حالة الأبدال المنكسري القلوب لأجله، الموحدين العارفين، أرباب العلوم والعقل، السادة الأمراء خفراء الخلق خلفاء الرحمن وأخلائهِ وأعيانه وأحبائه عليهم السلام([83])..

- ما يجب الانتباه إليه: قوله: (حق الحق، المحو، الفناء، الموحدين، العارفين، خفراء الخلق وما بعدها..)، ومن لم يعرف معناها ومرماها فعليه البدء بقراءة الكتاب من أوله بوعي وحفظ، ويقول: ...فحينئذ يسمع نداء من قبل الحق عز وجل من باطنه: اترك نفسك وتعال، اترك الحظوظ والخلق إن أردت الخالق، واخلع نعليك (دنياك وآخرتك)، وتجرد عن الأكوان والموجودات وما سيوجد والأماني بأسرها، وتعرّ عن الجميع وافْن عن الكل، وتطيب بالتوحيد، واترك الشرك، وصدّق الإرادة([84]).

ويقول: إلى متى المعاد؟ إلى متى الحق؟ إلى متى الهوى؟ إلى متى الرعونة؟ إلى متى الدنيا؟ إلى متى الآخرة؟!!! إلى متى سوى المولى؟ أين أنت من خالقك والأشياء؟

المكوّن الأول الآخر الظاهر الباطن، والمرجع والمصدر إليه([85]).

 

المهتــــدین

Mohtadeen.Com

------------------------------------------------------------

([1]) التعرف لمذهب أهل التصوف، باب: (22)، (ص:66).

([2]) التعرف، باب: (44)، (ص:101).

([3]) إحياء علوم الدين: (4/222).

([4]) أبو نصر الطوسي مؤلف (اللمع)، الكتاب الأم في التصوف، مات سنة: (378هـ).

([5]) قُتل على الزندقة، ولم أقف على تاريخ قتله، وهو من أقران الجنيد.

([6]) اللمع، (ص:495)، وقد أورد القصة أيضاً عبد الفتاح أبو غدة في ترجمته للحارث المحاسبي في (رسالة المسترشدين)، (ص:23).

([7]) تلبيس إبليس، (ص:169).

([8]) أحمد بن محمد النوري، بغدادي من أقران الجنيد، مات سنة: (295هـ)..

([9]) اللمع، (ص:492).

([10]) اللمع، (ص:478).

([11]) من كتاب (الحلاج) لـ (طه عبد الباقي سرور)، وهو شيخ الصوفية في مصر، معاصر، (ص:104).

([12]) الفكر الصوفي، (ص:62).

([13]) أبو بكر النصراباذي من نيسابور، صحب الشبلي، وخرج في آخر حياته إلى مكة، ومات فيها عام: (367هـ).

([14]) تلبيس إبليس، (ص:172).

([15]) أحمد بن عيسى الخزاز (لسان التصوف) من أهل بغداد، صحب ذا النون المصري وغيره، مات سنة: (277هـ).

([16]) التعرف، (ص:121).

([17]) لم أقف على ترجمتهما، ويفهم من أقوال الكلاباذي أنهما معاصران له.

([18]) لم أقف على ترجمتهما، ويفهم من أقوال الكلاباذي أنهما معاصران له.

([19]) التعرف، (ص:148).

([20]) شطحات الصوفية، (ص:164).

([21]) إيقاظ الهمم، (ص:156).

([22]) أخبار الحلاج، (ص:125)، وفي ديوانه.

([23]) أخبار الحلاج، (ص:115)، وفي الديوان أيضاً.

([24]) الديوان وأخبار الحلاج، (ص:127).

([25]) الديوان، (ص:16)، والأبيات هنا غير متتابعة، وأوائلها موجود في (طاسين النقطة).

([26]) الديوان، (ص:76)، وينسب أيضاً لابن عربي، وهو الأصح.

([27]) أخبار الحلاج، (ص:78).

([28]) طاسين الصفاء.

([29]) طاسين الأزل والالتباس.

([30]) أخبار الحلاج، (ص:50).

([31]) أخبار الحلاج، (ص:26).

([32]) أخبار الحلاج، (ص:30).

([33]) ديوان الحلاج، (ص:90).

([34]) ديواد الحلاح، (ص:94).

([35]).

([36]) أخبار الحلاج، (ص:44).

([37]) حاشية العروسي: (2/20).

([38]) إيقاظ الهمم، (ص:46).

([39]) إيقاظ الهمم، (ص:46).

([40]) علم القلوب، (ص:157).

([41]) محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، من كبار القوم، مات سنة: (358هـ).

([42]) علم القلوب (ص:95).

([43]) علم القلوب، (ص:104).

([44]) الِإشارات الِإلهية: (1/224).

([45]) الِإشارات الِإلهية: (1/139).

([46]) الإشارات الإلهية: (1/140).

([47]) الإشارات الإلهية: (1/259).

([48]) الإشارات الإلهية: (1/388).

([49]) الرسالة القشيرية، (ص:37).

([50]) الجملة بين القوسين من شرح الرسالة في هامش حاشية العروسي: (2/76).

([51]) الرسالة القشيرية، (ص:39).

([52]) الرسالة القشيرية، (ص:40).

([53]) إحياء علوم الدين: (1/254).

([54]) إحياء علوم الدين: (1/242).

([55]) الفتوحات الإلهية حاشية إيقاظ الهمم، (ص:109).

([56]) إحياء علوم الدين: (3/243).

([57]) إحياء علوم الدين: (3/13).

([58]) إحياء علوم الدين: (4/212).

([59]) الِإحياء: (4/213).

([60]) الإِحياء: (4/276).

([61]) الإحياء: (4/276، 277).

([62]) مشكاة الأنوار، (ص:55).

([63]) مشكاة الأنوار، (ص:57).

([64]) إلجام العوام عن علم الكلام، (ص:32).

([65]) النفحات الغزالية، (ص:173)، معارج القدس، (ص:195).

([66]) النفحات الغزاليه، (ص:183)، ومعارج القدس، (ص:199).

([67]) معارج القدس، (ص:202، 203).

([68]) الإحياء: (4/221).

([69]) الحديث مكذوب.

([70]) الإحياء: (4/222).

([71]) جمهرة الأولياء، (ص:78).

([72]) جمهرة الأولياء، (ص:80).

([73]) الفيوضات الربانية، (ص:41).

([74]) الفيوضات الربانية، (ص:5). وتبرز هنا ملحوظة هامة، هي أنه لا يهمنا إن كان كل ما في كتاب (الفيوضات الربانية) صحيح النسبة للجيلاني أم لا؛ لأن الذي يهمنا هو أن هذا الكتاب هو عقيدة عشرات الملايين من الذين ساروا على نهج الطريقة القادرية طيلة قرون طويلة.

([75]) الفتح الرباني، (ص:217).

([76]) الفتح الرباني، (ص:357).

([77]) الفتح الرباني، (ص:360).

([78]) الفتح الرباني، (ص:367).

([79]) الفتح الرباني، (ص:354).

([80]) الفتح الربايى، (ص:355).

([81]) فتوح الغيب، (ص:8، 9).

([82]) فتوح الغيب، (ص:25).

([83]) فتوح الغيب، (ص:28).

([84]) فتوح الغيب، (ص:127).

([85]) فتوح الغيب، (ص:144).