|
ما حرمة الشيخ إلاحرمة الله، فقم بها أدباً لله بالله.
ابن عربي
* لا طريقة بدون شيخ:
الشيخ عند المتصوفة هو إله، يعطونه كل صفات الألوهية، وهو الأساس في كل طريقة. وما تفرقت الطرق إلا اتباعاً لشيخ، وتسمى كلها باسم مشايخها ومؤسسيها، ومع الزمن تتفرع الطريقة الواحدة إلى طرق كثيرة تحمل أسماء مشايخها الجدد.
ولنزك أئمتهم يتكلمون...
يقول أبو حامد الغزالي:
...فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة، ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة...فمعتَصَمُ المريد، بعد تقديم الشروط المذكورة، شيخه، فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد، بحيث يفوّض أمره إليه بالكلية، ولا يخالفه في ورده ولا صدره، ولا يُبقي في متابعته شيئاً ولا يذر، وليعلم أن نفعه في خطأ شيخه- لو أخطأ- أكثرمن نفعه في صواب نفسه لو أصاب، فإذا وجد مثل هذا المعتَصَم، وجب على معتَصَمِه (أي: شيخه) أن يحميه ويعصمه بحصن حصين([1])....
ويقول القشيري:
...ثم يجب على المريد أن يتأدب بشيخ، فإن لم يكن له أستاذ لا يفلح أبداً. هذا أبو يزيد يقول: من لم يكن له أستاذ فإمامه الشيطان. وسمعت الأستاذ أبا علي الدقاق يقول: الشجرة إذا نبتت بنفسها من غير غارس، فإنها تورق لكن لا تثمر، كذلك المريد إذا لم يكن له أستاذ يأخذ منه طريقته نفساً فنفساً فهو عابد هواه، ولا يجد نفاذاً([2])...ويقول محيي الدين بن عربي في أول الباب الواحد والثمانين والمائة من الفتوحات المكية:
ما حُرمة الشيخ إلاحرمة الله فقم بها أدباً لله بالله
هم الأدلاَّء والقربى تؤيدهم على الدلالة تأييداً على الله
كالأنبياء تراهم في محاربهم لا يسألون من الله سوى الله
فإن بدا منهم حال تولههم عن الشريعة فاتركهم مع الله([3])
- لا أظن أن القارئ الذي بدأ الكتاب من أوله بحاجة إلى شرح لهذه الأبيات الضلالية، وتبيان ما فيها مما ينقض الشريعة الإسلامية جملةً وتفصيلاً.
وكان عبد القادر الجيلاني يقول:
من لم يعتقد في شيخه الكمال لا يفلح أبداً([4]).
ويقول عبد الوهاب الشعراني (القطب الرباني والغوث الصمداني):
...فإن لم يتيسر للمريد صلاة الجمعة عند أستاذه، فليتخيله عنده في أي مسجد صلى فيه([5])...
ويقول علي وفا: ...فكما أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به، فكذلك محبة الأشياخ لا تسامح أن يشرك بها([6])...
وكان أيضاً يقول:
إذا صدق المريد مع شيخه وناداه من مسيرة ألف عام، أجابه حياً كان الشيخ أو ميتاً([7])...
وكان أيضاً يقول:
المريد الصادق مع شيخه كالميت مع مغسله، لا كلام ولا حركة، ولا يقدر ينطق بين يديه من هيبته، ولا يدخل ولا يخرج، ولا يخالط أحداً، ولا يشتغل بعلم ولا قرآن ولا ذكر إلا بإذنه([8])...
ويقول عدي بن مسافر:
لا تنتفع بشيخك إلا إذا كان اعتقادك فيه فوق كل الاعتقاد([9]).
- أرجو أن يفتش القارئ الكريم عن حدود قوله: (فوق كل الاعتقاد).
وللعلم: عدي بن مسافر هذا هو تلميذ عبد القادر الجيلاني، وهو شيخ الطريقة العدوية المعروفة الآن باليزيدية (عباد الشيطان)، طبعاً، بعد أن خضعت لشيء من التطور.
ويقول أبو يزيد البسطامي:
إذا أمر الأستاذُ التلميذَ أمراً من أمور الدنيا وبعثه في إصلاحه، فيقيم مؤذن في بعض طرقاته على مسجد من المساجد؛ فيقول: أدخل أولاً المسجد وأصلي ثم أكون وراء ما بعثني إليه، فقد وقع في بئر لا يتبين أسفلها، يعني ليس لها مقر([10]).
ويقول إبراهيم الدسوقي (أحد الأقطاب الأربعة المدّركين):
...وكذلك ينبغي له (أي: للمريد) أن يحذر من تأويل كلام شيخه عن ظاهره إذا أمره بأمر، بل يبادر إلى فعل ذلك من غير تأويل([11])...
ويقول يوسف العجمي:
مِنْ أدب المريد أن يقف عند كلام شيخه ولا يتأوله، وليفعل ما أمره به شيخه وإن ظهر أن شيخه أخطأ([12])...
ويقول علي اليشرطي:
إياكم أن تؤولوا كلامي، فإن كلامي صريح لا يؤول، فاسمعوا ما أقول لكم([13]).
- كلام الله وحديث رسوله يؤولان ليتفقا مع كشفهم!- كما يقول حجة الإسلام وكما يفعلون كلهم مما مر معنا ومما لم يمر- أما قول الشيوخ المتصوفة فلا يجوز تأويله؟!!
فيا ناس، ويا خلق، ويا عباد الله، ويا أسوياء، ويا مجانين، ويا من عنده ذرة من عقل أو ذرة من ضمير أو ذرة من حياء، أفتونا في هذا البلاء؟ أين المخرج؟ وكيف السبيل؟
ولئن عرضت عليهم هذه الأقوال، فستجد الجواب المعهود: هذا مدسوس، أو: هؤلاء منحرفون، ليس كل الصوفية هكذا...إلخ.
ويقول علي المرصفي (الذي قرأ في يوم وليلة ثلاثمائة وستين ألف ختمة!!):
...وإن قال (قائلٌ) للمريد: إن كلام شيخه معارض لكلام العلماء أو دليلهم، فعليه الرجوع إلى كلام شيخه...وإذا خرج المريد عن حكم شيخه وقدح فيه، فلا يجوز لأحد تصديقه، إنه في حال تهمة، لارتداده عن طريق شيخه([14])...
- إذن فالدليل لا قيمة له!! وما هو الدليل؟ إنه القرآن والسنة بلا ريب، ومع ذلك فعلى المريد الرجوع إلى كلام الشيخ؟! ولتُنْسخ الآية الكريمة.
وهذا يفسر لنا الحالة التي وصل إليها المسلمون من الجهل والانحطاط والذل.
وعودة إلى يوسف العجمي، الذي يقول:
...ومن شأنه (أي: المريد) إذا ذكر الله تعالى، أو فَعَل عبادة من العبادات، أن يستحضر نظر شيخه إليه، ليتأدب ويضم شتات قلبه([15])...
ويقول أحمد الرفاعي (الذي تسري كراماته في أتباعه من بعده!!):
...مَن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان...وينبغي للمريد أن يعرف لشيخه الحق بعد وفاته كما كان يعرف له الحق في حالة حياته...وقال: من يذكر الله تعالى بلا شيخ، لا الله له حصل! ولا نبيه! ولا شيخه([16])!
- يا مسلمون! بل يا مؤمنون! (لأن ليس كل مسلم مؤمناً)، إن لم يكن هذا هو الشرك فما هو الشرك؟! أفيدونا يرحمكم الله.
ويقول العارف بالله سراج الدين الرفاعي الصيادي، ويشاركه أبو الهدى الصيادي:
...ومِن آداب المريد اللازمة: أولاً: حفظ قلب شيخه، ومراعاته في الغيبة والحضور...والتواضع له ولذريته وأقاربه، وثبوت القدم على خدمته، وأوامره كلِّيَّها وجزئيِّها، وربط القلب به، واستحضار شخصه في قلبه في جميع المهمات، واستمداد همته، والفناء فيه، وأن يكون ملازماً له لا يفتر عنه طرفة عين، ولا يُنْكِر عليه ما ظهر منه من صفة عيب، فلربما يَظْهر من الشيخ ما لا يَعْلمه المريد...كما وقع لبعضهم أنه دخل على شيخه فرأى عنده امرأة جميلة يلاعبها ويعانقها ويجامعها؟! فخرج منكراً على شيخه، فأُخذ منه حالاً جميعُ ما استفاده من شيخه، ومع ذلك إن المرأة امرأة الشيخ وزوجته([17]).
- يا للأولياء النجباء الأتقياء الأنقياء...دستور من خاطرهم دستور! يلاعب زوجته ويجامعها أمام مريده!!
لكن ماذا عليه؟ فالمقربون لا يُسألون عما يفعلون؟ هكذا قرروا ويقررون! ولا تعترض فتنطرد، وسلِّم تَسْلَم. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويقول أبو مدين الغوث:
وراقب الشيخ في أحواله فعسى يَرى عليك من استحسانه أثرا
ففي رضاه رضا الباري وطاعته يرضى عليك فكن مِنْ تركها حذرا([18])
وعودة إلى الشعراني حيث يقول:
سمعت أخي أفضل الدين رحمه الله يقول: حقيقة حبِّ الشيخ أن يحب الأشياء من أجله ويكرهها مِنْ أجله، كما هو الشأن في محبة ربنا عز وجل([19]).
ويقول أيضاً:
من أدب المريد إذا زار شيخاً في قبره أن لا يعتقد أنه ميت لا يسمعه، بل الأدب أن يعتقد حياته البرزخية لينال بركته، فإن العبد إذا زار ولياً وذكر الله عند قبره، فلا بد أن ذلك الولي يجلس في قبره، ويذكر الله معه كما شهدنا ذلك مراراً([20]).
ويقول أيضاً:
...وأجمعوا على أن من شرط الحب لشيخه، أن يصم أذنيه عن سماع كلام أحد في الطريق غير شيخه، فلا يقبل عذل عاذل، حتى لو قام أهل مصر كلهم في صعيد واحد لم يقدروا على أن ينفروه من شيخه، ولو غاب عنه الطعام والشراب أياماً لاستغنى عنها بالنظر إلى شيخه لتخيله في باله، وبلغنا عن بعضهم أنه لما دخل هذا المقام سَمِن وعبل مِنْ نظره إلى أستاذه([21]).
ويقول محمد العربي السائح التجاني([22]):
...من فضائل هذه الطريق (أي: التيجانية)، أن من دخلها وأسلم قياده إلى صاحبها بطريق المحبة الخاصة وكمال التصديق، كان من الآمنين عند الله تعالى في الدنيا والآخرة([23])...
ويقول ابن عجيبة:
للقوم في لقاء المشايخ آداب، منها: أنهم إذا قربوا المنزل رفعوا أصواتهم بالهيللة والذكر، فلا يزالون كذلك حتى يصلوا إلى الزاوية...ومنها تقبيل يد الشيخ ثم رجله، إن جرت بذلك عادة الفقراء، فهو من أحسن التعظيم...ومنها جلوسهم بين يديه على نعت السكينة والوقار، خافضين أصواتهم، ناكسين رءوسهم، غاضين أبصارهم، فلا يكلمونه حتى يبدأهم بالكلام([24])...
...فإن تعذر عليه (أي: على المريد) الوصول إلى الشيخ، وقد عرض له مرض أو أمر، فليشخص شيخه بين عينيه بصفته وهيأته ويشكو له، فإنه يبرأ بإذن الله، وإن كان مع جماعة واستحيا فليشتك إليه في قلبه([25])...(ما هو الشرك؟).
ويقول علي اليشرطي:
الطريق في ذِكْر الله ومحبة الشيخ([26]).
ويقول: الطريق طريقنا، والنور نورنا، وإن شئنا نمده للفقير، وإن شئنا نطويه عنه([27])...
ويقول محمد أمين الكردي:
...ومنها أن لا يعترض عليه (أي: على شيخه) فيما فعله، ولو كان ظاهره حراماً، ولا يقول: لم فعل كذا؟ لأن من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح أبداً. فقد تصدر من الشيخ صورة مذمومة في الظاهر وهي محمودة في الباطن([28])...
ويقول عبد المجيد محمد الخاني النقشبندي:
اعلم أيها الأخ المؤمن أن الرابطة عبارة عن ربط القلب بالشيخ الكامل...وحفظ صورته بالخيال، ولو عند غيبته أو بعد وفاته، ولها صور، أهونها أن يتصور المريد صورة شيخه الكامل بين عينيه، ثم يتوجه إلى روحانيته في تلك الصورة، ولا يزال متوجهاً إليها بكليته حتى يحصل له الغيبة أو أثر الجذب...وهكذا يداوم على الرابطة حتى يفنى عن ذاته وصفاته في صورة الشيخ...فتربيه روحانية الشيخ بعد ذلك إلى أن توصله إلى الله تعالى، ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فبالرابطة يستفيض الأحياء من الأموات المتصرفين([29])...
ويقول القشيري في الرسالة في (باب حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم):
سمعتُ الشيخ أبا عبد الرحمن السلمي يقول: إن شقيقاً البلخي وأبا تراب النخشبي قدما على أبي يزيد (البسطامي) فقُدِّمت السفرة، وشاب يخدم أبا يزيد، فقالا له: كل معنا يا فتى، فقال: أنا صائم، قال أبو تراب: كل ولك أجر صوم شهر، فأبى، فقال شقيق: كل ولك أجر صوم سنة، فأبى، فقال أبو يزيد: دعوا من سقط من عين الله تعالى؟ فأخذ ذلك الشاب في السرقة بعد سنة فقطعت يده([30])...انتهى.
- عجيب والله كل العجب، يؤلهون أنفسهم! يُعطون أجر صوم شهر! وأجر صوم سنة! فماذا بقي من الشرك والكفر؟ ورجل يطيع أوامر الله وأوامر رسوله يصوم تطوعاً لله، ويرفض أن يؤله غير الله أو يأخذ تشريعاً إلا منه. هذا الرجل يصبح ساقطاً من عين الله في حكم هؤلاء القوم! لم وفيم يسقط من عين الله؟ لأنه رفض أن يتخذ إلهاً غير الله! ثم ماذا؟ الصوم أصبح جريمة في نظرهم! فهل يستطيع هؤلاء القوم أن يقولوا لنا ما هو الكفر؟! وما هو الشرك؟! وما هو الإلحاد؟! وما هي الزندقة؟!
لكن يجب أن لا ننسى أبداً أن الاعتراض ممنوع، والذي لا يحفظ قلوب هؤلاء المشايخ العارفين الأبرار، الأطهار الأخيار، الصادقين الصديقين، المقربين الواصلين، المحظيين العارفين، العالمين المدّركين، المتصرفين الأولياء، الأتقياء الأنقياء الأصفياء، المحبين المحبوبين، الغارقين (في جهنم وبئس المصير) الذي لا يحفظ قلوبهم يسقط من عين الله، وتُقطع يده على السرقة؟!
ثم يتساءل المتسائلون: ما هو سبب انهيارالمسلمين؟ ما هو سبب فساد الأمة الإسلامية؟ ما هو سبب ذل المسلمين؟ ما هو سبب انحطاط الأمة الإسلامية؟ يتساءلون؟ والجواب ماثل أمام الناظرين الذين ينظرون بنور القرآن والسنة، لا بأعين الصوفية، لأنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
ويورد القشيري إياه، في نفس الباب (حفظ قلوب المشايخ وترك الخلاف عليهم):
...ومن المشهور أن عمر بن عثمان المكي رأى الحسين بن منصور (الحلاج) يكتب شيئاً، فقال: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن! فدعا عليه وهجره، قال الشيوخ: إن ما حل به بعد طول المدة كان لدعاء ذلك الشيخ عليه([31]).
* جوابنا:-
أولاً: الدنيا دار بلاء لا دار جزاء.
ثانياً: استهتاره بالقرآن ومحاولة معارضته لم تكن سبب بلائه، وإنما كان سبب بلائه دعاء الشيخ عليه!!
وللعلم: الرسالة القشيرية تدرس في مساجد المسلمين، وينصح القوم بقراءتها هي وكتاب إحياء علوم الدين، والحكم العطائية على أنها كتب إسلامية! والمشتكى إلى الله.
ويقول عبد القادر الجيلاني:
...وينبغي له (أي: للمريد) أن لا ينتظر من الله مطلوباً سوى المغفرة....
والتحبب إلى الشيوخ من الأولياء والأبدال، إذ ذاك سبب لدخوله في زمرة الأحباب ذوي العقول والألباب! الذين عقلوا من رب الأرباب، واطلعوا على العِبَر والآيات([32])...
* الملحوظات:
نلاحظ قوله: (التحبب إلى الشيوخ...سبب لدخوله في زمرة الأحباب) أي: أحباب الله!
وهذا الكلام مردود عليه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا- وحياً عن ربه- أن الدخول في زمرة أحباب الله هو إطاعة الله سبحانه واتباع رسوله والابتعاد عن الشرك، كل الشرك، ولم يرد أي نص عن المعصوم بالوحي أن التحبب إلى الشيوخ سبب في رضا الله، وبالتالي نطالبه بالدليل من القرآن والسنة، ولا دليل لديه إلا باللف والدوران والتأويل الباطل. ثم لننتبه إلى قوله: الذين عقلوا من رب الأرباب..، وهذه العبارة تحمل نفس معنى قولهم: (حدثني قلبي عن ربي..) وهو افتراء على الله الكذب. إنما هي إحساسات هَلْوَسِيَّة أقوى من الأفيونية، توهمهم شياطينهم من الإنس والجن أنها رحمانية وأنها خطاب من الله.
ويقول الجيلاني أيضاً:
وأما آدابه (أي: المريد) مع الشيخ، فالواجب عليه ترك مخالفة شيخه في الظاهر، وترك الاعتراض عليه في الباطن، فصاحب العصيان بظاهره تاركٌ لأدبه، وصاحب الاعتراض بسره متعرض لعطبه، بل يكون خصماً على نفسه لشيخه أبداً، يكف نفسه ويزجرها عن مخالفته ظاهراً وباطناً([33])...
- وهكذا يقرر سلطان الأولياء، عبد القادر الجيلاني، أن الشيخ ينفع ويضر، وأن التحبب إلى الشيخ سبب للدخول في زمرة الأحباب، وهذا هو النفع، والاعتراض عليه في سره سبب لعطبه، وهذا هو الضر.
- أما نحن فنؤمن أن لا نافع ولا ضار إلا الله. ونؤمن أن من يعتقد خلاف ذلك فهو مشرك مرتد.
ويقول: ...إن لم تفلح على يدي، لا فلاح لك قط([34])...
- مقارنة بين هذه الجملة وبين قوله سبحانه: ((قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُوْنَ)) [المؤمنون:1-5].
ولم يقل سبحانه: لا فلاح إلا على يدي الشيخ كائناً من كان هذا الشيخ؟
فنسأل: من الصادق ومن الكاذب؟ ومن يجب أن نتبع؟
ويقول الدكتور سيد حسين نصر([35]) (ترجمة كمال خليل اليازجي)([36]):
والشيخ، فضلاً عن أن تأثيره ثابت، فإن نوره ينتشر فى كل مكان، ومع أنه شخصية روحية واضحة المعالم، لكنه مقترن داخلياً بالنور الذي يشرق على البر والبحر ويضيء كل شيء للمريد المرتبط به([37]).
ويقول شهاب الدين السهروردي البغدادي:
.. ومِن الأدب مع الشيخ أن المريد إذا كان له كلام مع الشيخ في شيء من أمر دينه أو أمر دنياه، لا يستعجل الإقدام على مكالمة الشيخ والهجوم عليه، حتى يتبين له من حال الشيخ أنه مستعد له، ولسماع كلامه وقوله متفرغ، فكما أن للدعاء أوقاتاً وآداباً وشروطاً، لأنه مخاطبة الله تعالى فللقول مع الشيخ أيضاً آداب وشروط لأنه من معاملة الله تعالى([38]).
- لننتبه إلى مقارنته مخاطبة الشيخ مع مخاطبة الله، وجعله الكلام مع الشيخ من معاملة الله تعالى!!
ويقول أحمد الفاروقي السرهندي (مجدد الألف الثاني):
...وهذه المحافظة إنما هي إلى زمان الوصول إلى الشيخ الكامل المكمل، ثم بعد الوصول إليه، لا شيء عليه سوى تفويض جميع مراداته إليه، وكونه كالميت بين يدي الغسال لديه، والفناء الأول هو الفناء في الشيخ، ويكون هذا الفناء وسيلة الفناء في الله([39])...
* مشاهد شيخية مرسلة:
* المنظر الأول:
انتهت الحضرة، ووقف الشيخ تكرماً منه وعطفاً ليسهل على المريدين التبرك بتقبيل يده الإلهية.
وقف المريدون وملء قلوبهم الشكر والامتنان لهذا الشيخ الكريم العظيم، الذي يمكنهم دائماً من تقبيل يده المقدسة، وأحياناً من تقبيل رجله، ينعمون بما تفيضه عليهم من روحانيته التي تحققت بأسماء الله وصفاته، يعبون منها ذخراً روحياً يعيشون في نشوته القدوسية أياماً، حتى يتكرم عليهم الشيخ من جديد بتجل جديد لطلعته الصمدانية، التي تملؤهم بالأسرار الربانية.
أخذوا يتقدمون الواحد تلو الآخر، يجللهم صمت المؤمنين أمام وثنهم المعبود، وبخشوع تعبدي ينحني صاحب الدور راكعاً أمام الشيخ، آخذاً يده الكريمة الممدودة بيده الحقيرة يقبلها، ويحاول أن يرتشف منها أكثر ما يستطيع من الأسرار الإلهية المختزنة في شيخه. ثم يترك الدور لغيره وينصرف حامداً شاكراً.
وصل الدور إلى شاب ملأ الإيمان الخرافي قلبه، وغمره بشوق جنوني إلى تنسم رائحة العارف الكامل الذي وصل إلى مقام (الفرق الثاني). وجاءت الفرحة، فأمسك بيده المرتعشة يد الشيخ القدوسية، وركع أمامه، ثم أهوى عليها يقبلها ويقبلها، وهو لا يشبع من تقبيلها ومن تمريغ وجهه وجبهته عليها. عيل صبر المريد الذي كان خلفه ينتظر دوره، فربت على ظهره طالباً منه الإسراع.
لكن الشيخ الكريم الرحيم العطوف الودود قال لهذا الذي نفد صبره، ناصحاً ومربياً ومعلماً: خليه يرتوي يا ابني خليه يرتوي. وذهبت مثلاً.
* المنظر الثاني:
الوقت بعد العصر، والطقس شديد البرودة، والسيارة الفخمة تقبع في جانب من أحد الأزقة الفرعية، وليس في الشارع سوى أفراد يسرعون الخطا هرباً من البرد.
مر رجل طاعن في السن، ممن امتلأ قلبه إيماناً بالضبابيات والخرافيات الصوفية، ولم يستطع الوصول إلى الجذبة رغم محاولاته.
التفت هذا العجوز نحو السيارة فعرفها، ومن وراء الزجاج المجلل ببخار الماء المتكاثف، لمح داخلها شخصاً فعرفه أيضاً.. وكيف لا؟ إنه شيخه([40]) الولي العارف الصديق المقرب المحب المحبوب الواصل القديس المقدس المتحقق بالاسم الأعظم...إلخ. فكان كأنما عثر على كنز الدنيا والآخرة، بل وأعظم من الدنيا والآخرة! فانطلق نحوه دون وعي حتى وقف أمام زجاج السيارة صامتاً خاشعاً، خافضاً رأسه بذلة وخنوع، ماداً نظره الحقير نحو الشيخ يستجديه نفحة من قدوسيته المستسرة.
نظر إليه الشيخ بعينين جامدتين، وأنزل زجاج النافذة بمقدار ما يكفي لإخراج كفه، وأخرجها، فاستلمها العجوز، وقبلها.
ثم سحب الشيخ يده، وأغلق النافذة.
وذهب العجوز لحال سبيله، وهو مفعم بنشوة تغرقه في أعتم ظلمات الخيالات الوثنية، لكنه كان يحس أنه قبل يد الحق (سبحان الله وتعالى عما يشركون).
مشهد شيخي مسجل:
أورد ابن العماد الحنبلي في أحداث سنة سبع وثمانمائة:
وفيها (أي: توفي فيها) أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن وفا...وقال ابن حجر في أنباء الغمر: اجتمعتُ به مرة في دعوةٍ فأنكرتُ على أصحابه إيماءهم إلى جهته بالسجود، فتلا هوَ وهو في وسط السماع يدور ((فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)) [البقرة:115] فنادى من كان حاضراً من الطلبة: كفرت كفرت، فترك المجلس وخرج هو وأصحابه...
- لعل القارئ يذكر أن علي بن محمد بن محمد بن وفا هذا هو غوث من رجال السلسلة الشاذلية، وهذا يعني أن الطريقة الشاذلية تتبنى أفعاله وأقواله وتؤمن بها، وإن كتموا ذلك.
* الخلاصة:
الشيخ عند الصوفية إله، يسبغون عليه كل صفات الألوهية، والمريد الذي لا يعتقد بشيخه القدسية الإلهية لا يفلح في سعيه إلى الوصول إلى وحدة الوجود، وهذا هو معنى الفلاح عندهم، الجذبة، ثم مشاهدة الألوهية في نفس المُشاهَد وفي كل شيء. ولنستمع إلى قول الدكتور سيد حسين نصر، وهو من أعلام الصوفية في إيران، يقول:
إن دور الشيخ المرشد الذي يقتضي التسليم التام له، وأهميته، في تحرير المريد من الارتباك في عالم الكثرة، ثم توجيهه له بالتأمل في عالم الوحدة([41])...
المهتــــدین
Mohtadeen.Com
------------------------------------------------------
([1]) إحياء علوم الدين: (3/65).
([2]) الرسالة القشيرية، (ص:181).
([3]) الفتوحات المكية، (الباب: 181) في أوله.
([4]) الأنوار القدسية: (1/174).
([5]) الأنوار القدسية (1/188).
([6]) الأنوار القدسية: (1/187).
([7]) الأنوار القدسية: (1/189).
([8]) الأنوار القدسية: (1/189).
([9]) الحقيقة التاريخية، (ص:343).
([10]) شطحات الصوفية، (ص:182).
([11]) الأنوار القدسية: (2/97).
([12]) الأنوار القدسية: (2/36).
([13]) نفحات الحق، فصل (إرشاد وهداية).
([14]) طبقات الشعراني: (2/128).
([15]) الأنوار القدسية (2/98).
([16]) قلادة الجواهر، (ص:177).
([17]) قلادة الجواهر، (ص:278).
([18]) الفتوحات الإلهية، (ص:230).
([19]) الأنوار القدسية (1/169).
([20]) الأنوار القدسية (1/161).
([21]) الأنوار القدسية (1/168).
([22]) أحد خلفاء أحمد التجاني، مات سنة (1309هـ).
([23]) بغية المستفيد، (ص:84).
([24]) الفتوحات الإلهية: (ص:308، 309).
([25]) الفتوحات الإلهية، (ص:339).
([26]) نفحات الحق، (ص:95).
([27]) نفحات الحق، (ص:97).
([28]) تنوير القلوب، (ص:528).
([29]) السعادة الأبدية، (ص:22، 23).
([30]) الرسالة القشيرية، (ص:151).
([31]) الرسالة القشيرية، (ص:151).
([32]) الغنية: (2/164).
([33]) الغنية: (2/164).
([34]) الفتح الرباني، (ص:371).
([35]) إيراني أظنه لا زال حياً.
([36]) سوري أو لبناني، وأظنه لا زال حياً أيضاً.
([37]) الصوفية بين الأمس واليوم، (ص:73).
([38]) عوارف المعارف، هامش الإحياء: (4/98).
([39]) المنتخبات من المكتوبات: (ص:21).
([40]) هذا الشيخ أخبره الكشف أنه المهدي المنتظر، وهو منذ سنين كثيرة ينتظر أن يأذن له الكشف بالتحرك.
([41]) الصوفية بين الأمس واليوم، (ص:77). |